السيد كمال الحيدري
163
أصول التفسير والتأويل
فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( النساء : 82 ) . وهذا قياس استثنائي مؤدّاه : لو كان القرآن من عند غير الله لوُجد فيه اختلاف كثير ، وحيث لا يوجد فيه ذلك ، فهو من عند الله سبحانه . وجه الملازمة بين المقدّم والتالي أنّ غيره تعالى من الموجودات الواقعة في هذا النشأة ، كلّها قائمة على أساس التحرّك والتكامل ، وهذا قانون عام يجرى في الإنسان أيضاً ، فلا ترى واحداً من هذه الموجودات يبقى آنين متواليين على حال واحد ، بل لا يزال يختلف من حال إلى حال . أمّا دليل بطلان التالي وهو عدم وجود الاختلاف فيه فهو مستبطن في المقدّمة الأولى ؛ إذ لو وجد الاختلاف لكان متضمّناً للباطل ، والمفروض أنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . والحاصل المستفاد من هذه الآية المباركة أمور : 1 . إنّ القرآن ممّا يناله الفهم العادي . فلو لم يكن كذلك لما أمر سبحانه وتعالى الناس بالتدبّر والتأمّل فيه لمعرفة الحقّ ، وإنّ التأمّل فيه يهدى صاحبه إلى كون القرآن من عند الله تعالى العليم بمصالح عباده الذي يهديهم بما يصلح أمرهم . 2 . إنّ القرآن الكريم كامل مكمّل من جميع الجهات ، لا يقبل الاختلاف ولا التغيير ولا التحوّل والنسخ ولا الإبطال ولا التهذيب ولا التكميل ، فلا حاكم عليه أبداً ؛ لأنّ ذلك كلّه من شؤون الاختلاف . فإذا كان منفيّاً عنه بالكلّية ، فلا يقبل القرآن أيّاً منها ، ولازم ذلك أنّ الشريعة الإسلامية مستمرّة إلى يوم القيامة . 3 . إنّ هذا الكتاب لمّا كان كاملًا من كلّ جهة ، لابدّ أن يكون نازلًا من عند الكامل المستجمع لجميع صفات الكمال الذي لا يُتصوّر النقص فيه